النوايا  لا تكفي

قدمت الحكومة توجهاتها الاقتصادية الكبرى للسنة

القادمة في وثيقتها التي حملت اسم «مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027»، كاشفةً عن رؤيتها واستراتيجيتها ومشروعها الطموح الذي لم يرتقِ بعد إلى مستوى خطة اقتصادية قابلة للتنفيذ، إذ اقتصرت الوثيقة على عرض أهداف دون إسنادها بآليات تنفيذ وقياس تتيح تقييمها وتعديلها بما يضمن بلوغ الهدف المركزي، وهو تحقيق نسبة نمو في حدود 3.1% وتقليص البطالة بنصف نقطة مئوية.

هذا هو ما تتركه الوثيقة من انطباع: حكومة تقترح أهدافًا قد تكون غير قادرة على تحقيقها لغياب الشروط الضرورية والموضوعية لتحقيقها. إذ إن ألف باء الاقتصاد تشرح لنا المسافة بين الطموح والنوايا وبين الخطط الاقتصادية التي لا تكتفي بعرض أرقام وأهداف، بل تقدم رؤية ومراحل ومصادر تمويل وآليات تقييم وتعديل تسمح بتحويل الطموح إلى إنجاز.

هذا هو مفتاح قراءة مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027. ماذا أعدت الحكومة من خطط فعلية لتحقيق نمو بنسبة 3.1%، وما الذي ستغيره في الاقتصاد ليكون هذا الرقم واقعًا وليس طموحًا نكرر إعلانه كل سنة؟ هذا هو ما كان يفترض أن تقدمه الوثيقة لتخبرنا بخطة الحكومة وعناصر التنفيذ، وهو ما غاب عن الوثيقة الحالية، كما غاب عن الخطاب الاقتصادي للحكومة خلال السنوات السابقة.

فمثل سابقاتها، تكشف وثيقة السلطة عن حزمة من الأهداف التي تبدو في ظاهرها متماسكة ومنطقية: رفع النمو، وزيادة الاستثمار لتحقيق هدف 16.4% من الناتج المحلي الإجمالي، والتحكم في العجز لبلوغ نسبة 3.7%. لكن هذا التماسك لا يصمد أمام اختبار توفر الشروط، من تحديد حجم التمويلات وخطط التنفيذ وآليات القياس والرصد ومراحل الإنجاز وسيناريوهات تعالج تغيّر العوامل، خاصة في ما يتعلق بالموسم الفلاحي والطلب الخارجي وأسعار الطاقة والحبوب، والتي قد تؤثر سلبًا على توقعات النمو.

وهي العناصر التي يبدو أن البنك الدولي أضافها إلى معادلته الخاصة بتوقع النمو في تونس، والتي، وفق توقعات البنك المنشورة في سبتمبر 2026، ستكون في حدود 2.1% سنة 2027، وهي أقل بنقطة نمو كاملة مقارنة بما تتوقعه الحكومة، التي سبق لها أن أعلنت، وفق مخططها الخماسي، عن متوسط نمو سنوي خلال فترة 2026-2030 بأربع نقاط نمو.

وهذا يجعل من نسبة نمو بثلاث نقاط هدفًا طموحًا. لا نقول إنه مستحيل، ولكنه أيضًا ليس سهل التحقق، خاصة أن الحكومة لا تكشف لنا في وثيقتها الخاصة بالتوجهات الاقتصادية الكبرى ما يبيّن أن لديها خططًا ومحركات اقتصادية جديدة ستسمح بالانتقال من نمو بنقطتين خلال السنة الراهنة إلى نمو بثلاث نقاط في السنة المقبلة. وإن كانت نقطة نمو قد لا تمثل فارقًا عدديًا كبيرًا، فإنها في وضعنا الاقتصادي الراهن، الذي تتعثر فيه قطاعات إنتاجية ويتباطأ فيه الاستثمار وتغيب فيه الشروط الموضوعية للانتعاش، تمثل فارقًا مهمًا. وهذه الشروط ليست متماثلة في كل قطاعات الاقتصاد، كما أنها لا تخضع فقط لخيارات الدولة وقدرتها، بل تشمل أيضًا شروطًا خارجية وعوامل مناخية يجب أن تؤخذ بعين الحسبان.

من ذلك أن السلطة تهدف في مشروعها إلى رفع إجمالي الاستثمار بنحو 4 مليارات دينار سنة 2027، لتحقق نسبة 16% من الناتج. وهذا قد لا يكون ممكنًا فقط بتحسين مناخ الأعمال أو تبسيط الإجراءات وتقليص آجالها أو برقمنة الإدارة، فكل هذه الخيارات تظل قاصرة طالما لم تتحسن طاقة الإنتاج، التي دونها قد يصعب إنتاج الثروة.

والثروة هنا لا تُنتج بالنوايا وأرقام طموحة، بل بالاستثمارات التي أُنجزت والتي يجب أن تدخل لاحقًا حيز الإنتاج، لتحقيق توسيع الإنتاجية وخلق فرص عمل، فهذا هو ما يخلق الثروة. أما حجمها فتحدده القيمة المضافة لهذه المشاريع. وهذه النقطة مهمة جدًا في تقييم جدية مشروع الحكومة التي تراهن على رفع الصادرات، خاصة الصناعية، لتحسين ميزانها التجاري. هنا سنقف على تعارض الأهداف التي تقدمها الوثيقة.

فمن جانب، تعمل الحكومة على تحسين النمو والصادرات، ومن جانب آخر، تريد التحكم في عجزها التجاري. إذ تطمح الحكومة، التي تواجه اليوم نمو الواردات بوتيرة أسرع من نمو الصادرات، إلى التحكم في عجز ميزانها التجاري وتحسين نسبة التغطية. وهذا قد يمثل قيدًا على خطتها لرفع الاستثمارات، التي تدرك هي أنها تحتاج إلى استيراد مواد أولية ومواد شبه مصنّعة وآليات إنتاج، وهو ما يرفع من نسبة عجز ميزانها التجاري خاصة. هذه هي المعضلة التي تواجهها السلطة، والمطلوب منها أن تقدم خطتها للتحكم في العجز التجاري دون أن تؤثر سلبًا على مناخ الاستثمار، وأن توضح كيف تلبي حاجيات التمويل مع إدراك أن العائد من هذا الخيار لن يكون مباشرًا.

هنا، لا يمكن للحكومة تقييد استيراد المعدات والمواد اللازمة للإنتاج دون أن تخاطر بإضعاف النمو الذي تريد تسريعه ورفعه، وفي ظل غياب خطة تفصيلية قد يُفرض عليها أن تختار بين الهدفين اللذين لن يكون من الممكن تحقيقهما معًا. والتحدي لن يقف هنا، فالمشروع يطمح إلى تقليص نسبة البطالة بنصف نقطة، وهذا يجعل ملف التشغيل مرتبطًا بملف النمو.

هذه العناصر في توجهات الحكومة الاقتصادية تكشف أننا أمام غياب صلة واضحة، وأن المشروع قائم على ملفات وأهداف منفصلة تتعارض في ما بينها: رفع النمو وتقليص البطالة، مقابل التحكم في العجز التجاري وعجز الميزانية، إلخ. وهذا يكشف عن الهوة بين ما تعلنه الحكومة من نوايا وبين ما تستطيع بالفعل إنجازه.

وللأسف، وفق تجربة السنوات السابقة، يبدو أننا أمام إعلان نوايا وطموحات، وليست أمام خطة اقتصادية واقعية قابلة للتنفيذ، في ظل غياب إمكانية التنفيذ وتعارض الأهداف التي ستؤثر على توجيه الموارد والقرارات، مما يعيد إنتاج المشهد ذاته.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115